أبو حامد الغزالي
84
تهافت الفلاسفة
ذلك فأما أن يبقى حادث بلا سبب أو يتسلسل إلى غير نهاية . ورجع حاصل الكلام إلى أنه وجد الموجب بتمام شروطه ولم يبق أمر منتظر ، ومع ذلك تأخر الموجب ولم يوجد في مدة لا يرتقى الوهم إلى أولها ، بل آلاف سنين لا تنقص منها شيئا ، ثم انقلب الموجب بغتة من غير أمر تجدد ، وشرط تحقق ، وهو محال في نفسه . والجواب : أن يقال : استحالة إرادة قديمة متعلقة بأحداث شئ ، أىّ شئ كان ، تعرفونه بضرورة العقل أو نظره ؟ ؛ وعلى لغتكم في المنطق ، تعرفون الالتقاء بين هذين الحدين بحد أوسط أو من غير حد أوسط ؟ فإن ادعيتم حدا أوسط وهو الطريق النظري ، فلا بد من إظهاره ، وإن ادعيتم معرفة ذلك ضرورة ، فكيف لم يشارككم في معرفته مخالفوكم ، والفرقة المعتقدة لحدوث العالم بإرادة قديمة ، لا يحصرها بلد ، ولا يحصيها عدد ، ولا شك في أنهم لا يكابرون العقول عنادا مع المعرفة ؛ فلا بد من إقامة برهان على شرط المنطق يدل على استحالة ذلك ، إذ ليس في جميع ما ذكرتموه إلا الاستعباد والتمثيل بعزمنا وإرادتنا ، وهو فاسد ، فلا تضاهى الإرادة القديمة القصود الحادثة ، وأما الاستبعاد المجرد فلا يكفى من غير برهان . فإن قيل : نحن بضرورة العقل نعلم أنه لا يتصور موجب بتمام شروطه من غير موجب ، ومجوز ذلك مكابر لضرورة العقل . قلنا : وما الفصل بينكم وبين خصومكم ، إذا قالوا لكم : إنا بالضرورة نعلم إحالة قول من يقول : أن ذاتا واحدة عالمة بجميع الكليات من غير أن يوجب ذلك كثرة ، ومن غير أن يكون العلم زيادة على الذات ، ومن غير أن يتعدد العلم مع تعدد المعلوم ، وهذا مذهبكم في حق اللّه ، وهو بالنسبة إلينا وإلى علومنا في غاية الإحالة ، ولكن تقولون : لا يقاس العلم القديم بالحادث ؛ وطائفة منكم استشعروا إحالة هذا فقالوا : إن اللّه لا يعلم إلا نفسه ، فهو العاقل ، وهو العقل ، وهو المعقول ، والكل واحد ، فلو قال قائل : اتحاد العقل والعاقل والمعقول معلوم